الخميس، 10 مايو 2012

الحزن العظيم / أدب











الحزن العظيم / أدب

     

أديب إبراهيم الدباغ | كاتب وأديب عراقي

سُئل عليه الصلاة والسلام عن سُنَّته فقال: "الحزن رفيقي، والشوق مركبي، وَقُرَّةُ عيني في الصلاة".
من عمق أعماق الوجود يرتفع شجَن لا يدركه إلا روح نبي... ومن قلب الحياة يسري شَجْو لا تسمعه إلا أذن نبي... ومن الغبطة نفسها ينساب حزن خفي لا يحس به إلا فؤاد نبي... والكون كله طاقة حنين لا تقوى على احتمالها إلا نفس نبي.
و"القرآن" -نبض الوجود وخَفْق الكون- بالحزن نزل، وعلى قلب حزين نزل: "إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" (رواه ابن ماجة) كما قال عليه الصلاة والسلام.
فأيُّ إنسان لا يذكر أنه في يوم ما انبعثَ عنه نُواح حزين دون إرادة منه، وأن حنينًا فاجأه -على حين غِرة- حمله على التّأوه والألم من غير أن يعرف له سببًا، وكم بكى الإنسان وهو في عنفوان فرحه، وكم ظُلمة في النفس أضاءها الحنين وطهرها الدمع الهتون؟.. وكم أنّة في الأسحار سمتْ بالإنسان حتى ارتقى أسباب السماء بلا علم ولا عمل؟.. وكم خيال شبّت فيه النيران وألهبت عقلاً باردًا لم يعرف صاحبه شوقًا ولم يذرف دمعًا؟.. فعظمة الإنسان، في تحرره من مصائد الأزمنة والأمكنة، وفي قدرته على احتمال عذب الحنين، وعذاب الشوق الدفين حاديه إلى الخلود حيث يرسو مركبه على أبواب الأبدية، وحيث ترتفع البراقع، وتنـزاح الحجب، وتتعرى حقائق الأفكار والأشياء، ويتنفس الإنسان أنفاس الحياة الأبدية دون خوف من فقدانها أبدًا.
إن روحه -عليه الصلاة والسلام- تسبح في ملكوت حزن كوني مبعثه التياع واشتياق يضطرم به قلب الكون في ظمئه اللاهب إلى أنداء الرحمة الإلهية التي من دونها يتطاير شظايا في الفضاء ويتحول إلى رماد بارد لا حس له ولا شعور... فحزنه عليه السلام يتعاظم في أطواء نفسه الشريفة وهو يصغي إلى روح الكون، وهو يترنم شجى ووجدًا: حنانيك يا رب... لا خِل إلا إياك... ولا صاحب سواك... ولا سلوة وعزاء إلاّك!..
حزنك يا رسول الله أراق دمع الوجود، وأهرق أسى الأكوان، وأشعل جذوة حنين في قلوب المؤمنين... يا أسوة حزن كل حزين، ويا دثار الواجدين المشفقين، ويا سلوان الحزانى والمتألمين!..
ولأنه يتيمًا ولد، فألمُ اليتم في روحه دفين، وظلال حزنه تظل بهجة روحه، وتلاطف إشراقة وجهه، وتمازج تبسُّم ثغره... فمع اليتم يمضي في كل مرة... أبوه الذي لم تكتحل عيناه برؤيته... ثم أمه جليسة فؤاده الصغير... ثم جدّه ركنه الركين... ثم عمّه الحامي والنصير... ثم زوجه خديجة، وما أدراك مَن خديجة رضي الله عنها... فكل أولئك الذين بكاهم الواحد تلو الآخر من قبلها، عاد يبكيهم بحرقة أشد وأعظم في شخص خديجة... ثم مكة شقيقة الروح وشِلْو الفؤاد... والكعبة توأم وجوده في عالمي الغيب والشهادة، تلك التي هي "أحبُّ بلاد الله إلى قلبي، ولولا أن قومكِ أخرجوني، ما خرجتُ عنكِ أبدًا وما ابتغيتُ عنكِ بديلاً". (رواه الترمذي)
وإلى "الطائف" يمضي، وروح اليتم ظل يتبعه، والأسى يحث خطاه إلى جانبه... وها هي "الطائف" تتسافه عليه، وتتنكر له، وترده عنها!..
يا ذات اللسان الدنس، ويا صوت الرجس، يا عنيفة يا غضوب... على مَن تتسافهين؟.. وعلى مَن تعنفين؟.. على مَن جاء يخطب وُدّكِ، ويحبوكِ خيره، ويعلمكِ الإيمان ويهديكِ للإسلام؟! "إنْ لم يكن بك عليّ غضبٌ فلا أبالي"... مَن له قوة نفس كما لقوة نفس محمد صلى الله عليه وسلم في مواجهة المحن... ومن التهيؤ لاحتمال ما تأتي به الأيام من الكروب والآلام؟.. إنه يصعِّد آهة حرّى... ولكن ذهنه في غاية الصفاء، وروحه في غاية النقاء، وعيناه النديتان فيهما رقّة وإشفاق...
جبريل: إن شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبين.
نبي الرحمة: اللّهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون.
وقِطف من العنب على طبق يأتي به "عدّاس" ويضعه بين يديه عليه الصلاة والسلام... يتناول القِطف: بسم الله... و"عدّاس" يشده: هذا كلام لا يقوله أهل هذا البلد.
- "من أي البلاد أنت"؟
- من نينوى.
- "من قرية أخي العبد الصالح "يونس بن متّى"؟
- وما أدراك بـ"يونس"؟
- "أنا نبي... وهو أخي في النبوة".
وينكبّ "عدّاس" يقبّل يديه ورجليه ويهمُّ أن يغسل بدموعه دماء عقبيه... ويعود "عدّاس" إلى سيّده بغير الوجه الذي جاء به... بينما يعود محمد عليه الصلاة والسلام إلى مكة بالحزن نفسه الذي جاء به.
من منابع الحزن في أرجاء الكون شرب فارتوى... وإلى ترانيم الأسى من قلب الكائنات أصغى وسمع... أمّا حزنه هو فقد هزّ السماء، وأقضّ مضجع الخليقة... إنه حزن العزيمة المتعالية فوق كل الإحباطات، وومض الروح المتسامي على كل أحزان الأرض... إنه حزن الرضى بما تأتي به المقادير، وبما يقدِّره الحبيب على الحبيب... حزن الثورة على ظلمات الدنيا وجهالات الإنسان... الحزن الذي يبلغ من القوة حدًّا يستطيع معه أن يحطم كبرياء أعظم طواغيت الأرض غطرسةً، وأن يقهر أشدّ أنواع القهر والعذاب... إنه حزن مضيء يغمر بالأمل كل مَن يلتقيه وما يلتقيه... إنه حزنُ نبي يريد أن يحرك العالم، ويستنهض جنس الإنسان ضدّ العبوديات والصنميات... إنه حزن مَن يريد أن يهزّ صدر العالم ليعيد لقلبه نبض الإيمان قبل أن يسكت إلى الأبد.
إن سيرة أحزانه عليه الصلاة والسلام إيماء لأصحاب الأرواح التائهة بتقبل الالآم كطريقة وحيدة لا مناص منها لاسترداد أرواحهم المغيبة وشحذ ما تراكم عليها من صدإ حائل بينها وبين الفهم عن الأنبياء وإدراك عظمة الرسالة التي بُعثوا بها.
صرخة يأس انفلتت من "أبي بكر" في لحظة ضعف دون قصد منه، وكأن معين الشجاعة عنده قد نضب، ورصيد الثقة بالنصر قد نفد، كانت صرخة إشفاق على صاحبه طوتها ظلمة الغار، وامتصتها جدرانه المصمتة: "لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لكشفنا"!
أومضتْ عينا الرسول عليه السلام ببريق الثقة التي لا يهزها شيء، وجرى صوته في جنبات الغار هادئًا نديًّا مطمئنًّا: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾(التوبة:40).
ليس بحزن على نفسه، ولا بخوف على شخصه... إنه قد عاهد الله من قبلُ أن يبيع نفسه لكي يشتري بها أيّ لحظة حزن أو ألم يمكن أن تعتور نفس صاحبه المفدّى.
ولم يكد يسمع جواب الرسول عليه السلام حتى شعر وكأنّ ماءً برودًا صُبَّ على نار خوفه وإشفاقه فأطفأها إلى الأبد، وأن شلاّلاً من القوة اقتحم نفسه وشرع يسقي برذاذه كل ما داخل نفسه من أسباب الضعف والخوف، فما عتمتْ أن أشرقت روحه بشعاع من جلال الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة بأسه وثباته في الملمات، وقد غاب عن ذهنه في لحظة الضعف تلك أن جلال محمد وقداسته هي التي تجعل الكون في خدمته وبين يديه، فأخذ يقترب من الرسول شيئًا فشيئًا ليلامس جِلدُه جِلدَه وكأنه يريد أن يستدفئ من بَرداء الخوف بحرارة الإيمان المنبعثة من صاحبه عليه السلام.
الحزن علوي المنبع، إلهي المنـزع، جمالي المرتع، بطولي المنشأ، يمتزج بأجزاء النفس، ويجري في مسارب الروح، يمسّ أكبادنا بجذوة من نار الأشواق، وينير جنباتنا بشعاع من سجدات المحراب... إنه الدمعة والابتسامة، والخوف والرجاء، واليأس والأمل، فهو خليق بالعُبّاد والزهاد، والساميين من الرجال، وبقلوب الأنبياء والرسل من ذوي العزمات والبطولات، وهو الذاكرة التي تستقطر دموع الجنس البشري، وتستذكر آلامه ومآسيه... فمِن الحزن ينبعث إنسان المهمات الصعبة، وتتنامى البطولات، وترتفع العزائم، وتزدهر الفضيلة، ويولد نبلاء الفكر، وتثور ثائرة العقل، وتتعزز قوى الحواس، ويفتح الخيال أبوابه، ويرتفع صرح الإيمان وتتوازن الحضارات فلا تشتط، وتستقيم المدنيات فلا تنحرف ولا تنـزلق...
فالحزن الروحي سرّ يجِلّ عن إدراكنا، إنه ينبئ عن قلب عذْب المشاعر، عالي الأحاسيس، ثري العطاء، مفعم الفضيلة، زاخر الحكمة، ظمّاءٌ للحق، بكّاءٌ على نفسه، رثّاءٌ للإنسان إذا هوى، وللفكر إذا طغى، وللحق إذا غوى...
وهو سبّارٌ لأغوار النفس، كشّافٌ للطائف الإنسان، صقّالٌ لمرايا القلب، سقّاءٌ لجدب النفوس لتخصب، ولغلظة الأفئدة لتشفَّ، ولوحشية الضمائر لتتهذب...
ذلك هو الحزن الذي كان رفيقًا للأنبياء والأولياء والصالحين، وحسن هو رفيقًا وخدينًا وأنيسًا...
لا شيءَ أقدرُ على أن يعمر قلوبنا حنانًا وطهارةً مثل الحزن، فلمسة منه يمكن أن تنتشل روحًا من هاوية الدنس، وتنقي قلبًا غارقًا في وحْل الضلالة... وللحزن رؤيا قلَّما تخطئ، وله فراسة قلَّما تكذب، وهو ألصق بالصديقين والأولياء والصالحين ناهيك عن الأنبياء والمرسلين. فكم مسَّ من أوتار قلب فأشجتْ، وكم روحًا اهتزت له وبه صحتْ من نوم ثقيل، وكم عقلاً أيقظ، وكم فكرًا هدى، وكم ذنبًا مسح، وكم حمل إلى الله تعالى من ضراعة وشفاعة، وكم رفع إليه من دموع، وصعّد إليه تعالى من خشوع وسجود، وكم كشف من مستور، وخرق نظرُه المنظور وغير المنظور من الأيام والدهور... هكذا هو حزنه عليه السلام، يخرق الزمن، ويسيح في التاريخ، ويرى أمته في آلامها وآمالها: "لو علمتم ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلاً" (رواه البخاري)... إنه يرى شلاّل دم يتفجر من "عمر وعثمان وعلي والحسين" رضي الله عنهم أجمعين، ولا يتوقف أبدًا، ويرى ولَهَ ابنته "فاطمة" وحزنها عليه إذا ما غادر الدنيا إلى الرفيق الأعلى، ويكاد يذوب حزنًا على ولده "إبراهيم" وهو يجود بنفسه، فتدمع عيناه، ويرق فؤاده: "إنّا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، فالعين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا" (رواه مسلم)... والحزن نفسه ينتابه على حفيده من ابنته "زينب" وقد حضره وهو يحتضر، ويتلبسه حزن لا يوصف حين يجد النساء يبكين شهداءهم في "أحد" فيقول: "أما حمزة فلا بواكي له".
فحزن محمد صلى الله عليه وسلم ليس كالأحزان، ودمعه ليس كمثله دمع، فدمعة واحدة من عينيه الشريفتين قمينة بأن تُنبت غابة أحزان يستظل بها الحزانى السنين الطوال، وتستعصر مدامع السماء، وتهيج أحزان الأرض... غير أن "الزمن" يتدفق بصمت لا يلوي على شيء من الأحزان إلى حيث تقوده أقدار الله تعالى، إنه ليتدفق تتبعه حفقات قلب حزين هو قلب محمد صلى الله عليه وسلم خفقة من بعد خفقة، وزمنًا من بعد زمن، فيرى ويكتم، ويرى ويحزن، فياللهِ ما أعظمَ حزنَه! 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
(1) الشفا، للقاضي عياض. 
(2) السيرة النبوية، لابن هشام.

الخميس، 29 سبتمبر 2011

مأساة مخيم أشرف تستمر...













و الأمم المتحدة تصدر بيانا تعرف فيه رسميا بحقوق سكان اشرف كطالبي اللجوء...

تعرّض مخيّم أشرف..وهو للاجئين ايرانيين بالعراق الى مذبحة و مجزرة منذ أشهر و تحديدا في ليلة 8 افريل 2011- اسفرت عن مقتل 35 شخصا بين امرأة و طفل و شيخ و رجل- و جرح 350 شخصا...ورغم هذه المذبحة التي نظمتها قوات القدس التابعة للنظام الايراني...تواصلت عملية محاصرة المخيم اللذي يعاني المقيمين فيه من ظروف غير انسانية...تدل على قسوة و تواطى السلطة العراقية مع النظام الايراني في التنكيل بهم....دون أدنى احترام لحقوق الانسان و لأعراف اتفاقيات جينيف التي تحمي الجرحى المشاركين في القتال فما بالك بالعزل و المدنيين..و في تعارض مع كل القيم الاسلامية و الانسانية التي يدعيها نظام الآيات الايراني.....

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011

يحدث في مجتمعاتنا العربية....هل سمعتم بأطفال سباقات "الهجن"..؟



سباق الهجن..و انتهاكات حقوق الأطفال...




سباق الهجن أو سباق الجمال.....احدى الرياضات الشعبية لمجتمعات الشرق الاوسط (الخليجية خاصة)، في هذه الرياضة تتسابق الجمال أو الهجن في مباريات حماسية..لحد الآن يبدو الأمر طبيعي....لكن الغير انساني في هذه الرياضة هي استعمال أطفال يقع خطفهم و جلبهم من دول افريقيا الفقيرة ليكونوا بمثابة الفرسان لهذه الجمال حتى تتسابق في الميدان....هؤلاء الاطفال لا يتجاوز عمرهم 3 او 4 سنوات و لا يجب ان يتجاوز وزنهم 2 أو 3 كغ... و الى جانب عمليات الخطف و ما تسببه من مآسي لعائلات هؤلاء الاطفال....وما يشجعه ذلك من تجارة الأطفال( بيعهم و شراءهم كحيوانات أو كعبيد)...يتواصل انتهاك حقهم في الحياة...فغالبا ما يتعرض هؤلاء الاطفال للسقوط و للرفس و العفس من قبل الجمال أو الهجن اثناء السباقات فيموت منهم الكثير...و يلجأ بعض اصحاب الجمال أو الهجن لحقن هؤلاء الاطفال حتى يعطلوا نموّهم و تبقى اوزانهم على ما هي عليه...الى جانب ما اثبته الواقع والاطباء من تضرر نهائي للجهاز التناسلي لهؤلاء الاطفال....و لا تزال الكثير من دول الخليج العربي تتحفظ على التوقيع و المصادقة على اتفاقيات حقوق الطفل...وعلى بروتوكولاتها التي تسمح بتقديم شكاوي في الغرض.....

حافظ الجندوبي

الجمعة، 19 نوفمبر 2010

"الناتو": قمة تاريخية ببرشلونة.....؟


"الناتو": قمة تاريخية ببرشلونة.....؟

حافظ الجندوبي


منظمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" قمّة تاريخية في برشلونة تصوغ و ترسم الذراع العسكري لعالم جديد متعدد الأقطاب، فهل تنجح في ذلك؟

كان لسقوط نظام العالم الثنائي القطبية تداعيات أيضا على مرتكزاته و أسسه، حلف الناتو اعتبر طوال الحرب الباردة الذراع العسكري للولا يات المتحدة الأمريكية و الغرب الأوروبي في مواجهة حلف وارسو التابع للمعسكر الشيوعي، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي و تفكك حلف وارسو و تغيرت الخريطة الجيوسياسية و الجيواستراتيجية للعالم مما حتم ايضا مراجعة لمهام و أهداف و استراتيجيات و آليات المواجهة عند المعسكر المقابل أي الرأسمالي.

مراجعة الفلسفة و العقيدة العسكرية و الايديولوجية التي قام عليها حلف الناتو ظهر كمعطى أساسي في العلاقات الأمريكية و شركائها من الأوروبيين اللذين سعو الى استراتيجية دفاعية و عسكرية خاصة بهم لكن سخر منهم الأمريكان و وصفوا أوروبا "بالقارة العجوز" و التي تحتاج الى العكاز الأمريكي، و قد عملت الادارات الأمريكية ما بعد الحرب الباردة على تسخير الناتو ليكون ذراع يضمن التفوق و الهيمنة الأمريكية في عالم أحادي القطبية

الأوروبيون ابتلعوا الاهانة الأمريكية و تبين لهم أنهم محتاجون أكثر لانقاذ مصالحهم في العالم فالأمريكان بدأوا بطرد المصالح الفرنسية في افريقيا و و أسواقها الاقتصادية لكسر الكبرياء و الاستثناء الفرنسي خاصة.

لكن في نفس الوقت بدأت الولايات المتحدة... الأمريكية تصلها اشارات سلبية بخصوص رغبة الهيمنة و الحلم الامبراطوري الأمريكي من قبل حلفائها بالأمس، الأوروبيون شعروا بانتفاء الحاجة الى مواصلة التضحيات السابقة بسسب الصراع الايديولوجي لكن بسقوط العدو الشيوعي، اصبح كل طرف يبحث عن مصالحه و تحالفاته الاقتصادية و السياسية.

بالنسبة للأمريكان كان حدث 11 سبتمبر فرصة او حدث صنع لتبرير الوصاية الأمريكية و هيمنتها على العالم،و أصبح "الارهاب الاسلامي" العدو الأخضر الجديد اللذي لا يهدد فقط الولايات المتحدة الأمريكية بل يهدد العالم الحر عالم الخير و الجمال الغربي.

في اطار من التعاطف الحضاري و السياسي، و الالتباس و الشعور بجنون العقل الأمريكي انخرطت اوروبا في حرب أمريكية على عدوهم الجديد، لكن في نفس الوقت شعرت اوروبا انها لا يجب ان تتورط كثيرا في الاستراتيجيات المريكية الجديدة، و سرعان ما تصاعدت الخلا...فات من جديد كان من ابرزها الخلاف المريكي - الفرنسي- الألماني من الحرب على العراق ثم الخلاف الأمريكي - الفرنسي حول افغانستان.

لقد فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في صياغة خريطة العالم كما يحلو لها و فشلت أو ساهمت اطراف كثيرة في افشال تحقيق أهدافها العسكرية و السياسية كما رسمتها، فعدلت استراتيجياتها العديد من المرات و انتهى باعتراف" اوباما" في خطاب تنصيبه أنه يجب الاقرار بتراجع القوة الأمريكية و دورها في العالم.

بعد نهاية الحرب الباردة توجهت القوى و الأطراف الدولية لتغيير و اصلاح منظمة الأمم المتحدة بما يتماشى مع معطيات و تحولات الواقع السياسي للعالم، لكن المهمة كانت صعبة و بقيت الأمور مجمدة وهي بالأحرى اجلت و سيعاد فتح الموضوع قريبا.

فمنظمة الامم ال...متحدة هي المنظمة السياسية التي تعطي الشرعية لخلاصة ما اتفق عليه في الأرض لذلك كان بديهي أن تتعطل منذ البداية

فالسياسي بات يأتي ديائما متاخرا لاضفاء الشرعية و تحديد طبيعة العلاقات الدولية على ضوء التوازنات و القوى الحقيقية على الأرض، هكذا بنيت عصبة الأمم و هكذا سخرت منذ بدايتها.

المؤسسات الاقتصادية العالمية(البنك الدولي، صندوق النقد الدولي و قمة الدول العشرون الأولى) سبقت السياسي و العسكري، كان اسهل للاعتراف بقوى اقتصادية كبرى جديدة بل كانت هذه السنة اي 2010 سنة تغير استراتيجيات و مفاهيم هذه المنظمات الاقتصادية للتنمية
و لمعادلة الدولة و السوق، مفاهيم جديدة بشرت بعالم اقتصادي جديد زادت الأزمة الاقتصادية في اعطائه مبرراته .

قمة برشلونة ستكون تاريخية من حيث أهمية الاتفاق على مفهوم استراتيجي جديد ياخذ بعين الاعتبار التعدد على مستوى اقتصادي سياسي، و اذا تفقوا اليوم فهذا سيفتح المجال من جديد للعودة لتحيين منظمة الأمم المتحدة بما ينسجم مع عالم متعدد الأقطاب.


حافظ الجندوبي

الأحد، 19 سبتمبر 2010

هل من عصر أنوار إسلامي؟

هل من عصر أنوار إسلامي؟ (جزء1)

حافظ الجندوبي

عصر أنوارنا الاسلامي و نهضتنا ستكون مثلما الغرب مرتبطة بموضوع أساسي ألا وهو الدين،الغرب عرف الإصلاح الديني كمدخل للنهضة، وفي واقع الأمر و التاريخ ، الغرب لم يشهد إصلاح ديني بل شهد عملية تحديد سياسي للمجال الديني سوغته مبررات فلسفات جديدة مع لوثر وكالفن ، وإعادة القسيسين و البابا إلى كنائسهم و رهبانيتهم، وما لله فهو لله و ما لقيصر فهو لقيصر ،أما نحن ففعلا مطالبون بالإصلاح الديني لكن ليس على طريقتهم بل على طريقتنا ليس عن طريق علمانيتهم بل عن طريق إسلاميتنا، فالأمر كله لله ،الإسلام لم يعرف تشويها ولا تحريفا في مصادره بل كان على الدوام محفوظ،" إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"و بالتالي فالإسلام لا يشكل عائقا نحو التقدم و تحقيق النهضة بل هو شرطها الأساسي في حالتنا وواقعنا،الإصلاح يهتم و ينشغل بإعادة فاعلية الدين لواقعنا و ليس إبعاده،بإحياء الدين في روحه ومعانيه ومقاصده في مجتمعاتنا، ربط القول و الفعل و العمل بالدين و ليس فصلهم عنه و تحويلهم إلى جزر مقطوعة عن كل تواصل به ، يكون الإصلاح بنفض الغبار عن جوهر الإسلام و تلك الروح التي تنزلت فبثت في العرب دماء جعلت قبائلهم المفرقة وجاهليتهم الطويلة حولتهم في بضع سنين إلى بناة حضارة ومشيدي مدن ومساهمين في إنتاج العلوم وتطويرها ونقل التراث الإغريقي و الهندي والفارسي و المحافظة عليه من الضياع و الاندثار.

والإسلام ليس إسلام للإنسان العربي أو الفارسي أو الهندي هو إسلام الإنسان أين ما كان، و حيث ما وجد ،فالإسلام رسالة لكل البشر منذ صرخته الأولى في جزيرة العرب ، الإسلام في غاياته و مقاصده الإنسان أين ما كان ، الإنسان العالمي بمصطلح اليوم ، قد تتعدد التفاسير و المذاهب بتعدد الواقع و الوقائع البشرية لكن الغاية واحدة ، والسبيل والمنهج من نوع الغاية ،لا يحقق الصالح و الخير إلا بما كان صالحا و خيرا و إلا اضطربت القيم والأخلاق وفسدت الغايات، لا يتحقق العدل إلا بوسائل عادلة و لا يتحقق الأمن بالترهيب ولا تتحقق التنمية بالقمع و بالاستبداد بالبشر وفرض الخيارات قسرا و لهوا،يضاف إلى هذا أن الإسلام يلاقي تحديات عالمية لا تقل شأنا عن تحديات المحلي والإقليمي و خاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر..... و أصبحت فرصة عالمية الإسلام سانحة أكثر من أي وقت....... وٌضع الإسلام في التحدي عالميا و نوعية الاستجابة الإسلامية بطبيعتها كانت لا بد أن تكون عالمية..... و أصبح الإسلام مطلوب على أكثر من جهة ،جهات أمنية واستخباراتية بتهمة الإرهاب ، وجهات بحثية من طرف مراكز الدراسات و خزانات الأفكار لوضع الدراسات بين يدي راسمي السياسات و متخذي القرارات في الغرب ، وقد يتخذ شكل فوبيا و عنصرية ضد كل من ينتسب إلى الإسلام عند البعض ، كما صار الإسلام مطلوبا من طرف العديد من الغربيين و الشرقيين بحثا عن الحقيقة و عن غير المألوف عندهم و تراهم يدرسون و يتابعون كل ما يتعلق بالإسلام و المسلمين بحثا و استكشافا ولما لا إيمانا و إعلانا للإسلام .

وهذا التحدي العالمي على الإسلام لا يواجهه المسلمون إلا بإثبات إمكانية إسلام عالمي وإسلام يقدم خيرا لكل البشرية مؤمنيهم به و كافريهم به.

لا عقدة للإسلام و المسلمين اتجاه أي إيديولوجيا فانه لا يحق لأي إيديولوجيا التباهي بتفوقها فكل الإيديولوجيات تفوقت أيضا في تحطيم الإنسان و استغلال الإنسان و في حرق الأرض من تحته و إفساد السماء من فوقه و تلويث البحر من حوله، و كلها مدعية خدمة الإنسانية و التقدم بالمجتمعات....تارة بشرعية الدولة و الجماعة و الحزب الواحد فسحق الفرد في قيمه و حريته و معتقده،وأخرى بشرعية الفرد و الفردانية فسحقت الجماعة في حقوقها الاقتصادية والاجتماعية و شرع للاستغلال و النهب الواسع للشعوب و المجتمعات من أجل الرأسمال الفردي و أناقة رجل الأعمال ورفاهته المفرطة و بدانته و جواريه،

وكل الإيديولوجيات جربت فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر في انتظار البدائل الإنسانية المنقذة، وعلى هذا الأساس لا يحق لأحد نفي الآخر و إلغاء الآخر و إقصاء الآخر، و أن الجميع له نفس الفرص و الحظوظ و الحقوق بالتساوي في التواجد و التعبير عن الذات و محاولة التطور و البعث من جديد...و في النهاية لا نحتاج إيديولوجيات تعيش و بشر يموتون... و لسنا في حاجة إلى إيديولوجيات سعيدة و بشر تعساء و أشقياء.....

انتهى زمن الحتميات التاريخية و إن كان هناك من حتمية فهي اللاحتميّة،كل شيء مفتوح على خيارات و سيناريوهات متعددة علمنا منها ما علمنا وغاب عنا ما غاب، و أبان المنهج الديكارتي و العقلانية الصارمة عن عجزها و قصورها في فهم عالمنا الجديد هذا العالم الذي يزداد تعقيدا و تركيبا و صعوبة في فهمه بما نمتلكه من مناهج ومفاهيم و هو بالتالي يطالبنا بطرق تفكير جديدة و بأدوات فهم و تحليل تتناسب وتعقيداته و تركيباته الجديدة و تحدث سيمون عن العقلانية كأداة اجرائية (Rationalité Procédurale) في تراجع عن العقلانية كغاية مطلقة التي أدرك أننا عاجزون و يستحيل أن نحققها(Rationnalité Substantial) وتحدث مورن Morin عن التفكير المنظوماتي (Approche Systemique ) و التفكير المعقّد ((Pensée Complexe وهي مقاربات تأخذ في عين الاعتبار ظواهر التعقد والتركيب و اللاتوقع و الانفلات عن الضبط التي باتت تتسم بها قضايا عصرنا و مشاكله ، وتتغير مناهج بناء الأنساق والمفاهيم و النظريات المعرفية ( ( les modèles و أصبح ما يعرف Interdisciplinarité)) بالتداخلية أو التعددية الاختصاصية و transdisciplinarité créative و pluridisciplinarité يتجه لتعويض الاختصاصية الصارمة الأحاديّة، وتطور الفكر الاستراتيجي التقليديpensée stratégique إلى التفكير الاستراتيجي الاستشرافي(la prospective stratégique) ، و الخطابات المتعددة المستويات(multidescours) في الفهم و التحليل بدل الخطاب الأحادي(l’unidescour) المتفرد بالفهم و النظر، و نحن هنا و هناك و كأننا تعاهدنا أن لا نغيّر مكانا !!!! وكل هذه تبقى مناهج نستعين بها لا أديان جديدة، وكل هذه تبقى مناهج قابلة للمراجعة و التغيير و التجديد و ليست نظريات نهائية و متكاملة...وهي مناهج لا تعوض منظومات قيمية أو أخلاقية أو إيمانية بل هي أدوات تحليلية وصفية....

و بالرغم من كل ذلك فالغرب اليوم مثل البارحة يقر بمآزقه الفلسفية و الفكرية والإيديولوجية وهو صانعها،الغرب يقر بمحدودية مناهجه العلمية و تفتحها على إشكاليات جديدة ليس لها أجوبة في الوقت الحاضر، الغرب يقر أن التقدم العلمي و التكنولوجي قد فتح البشرية على سيناريوهات جديدة غامضة غير مفهومة في اتجاهاتها و مساراتها؟ ففي ما نكابر و نحن المقلدون، ونحن التابعون، ونحن المترجمون الحرفيون؟

أصبحنا نصنع عوالم أجمل و أكثر حداثة و عصرنة لكن بإنسان أكثر تعاسة و شقاء،إنسان سعادته وهمية قابلة للضياع و التلاشي في أي لحظة لأنها سعادة تملك و ليست سعادة كينونة،لأنها سعادة في كم أملك و ماذا أملك؟ في ماذا أستهلك وكم أستهلك؟ و ليست سعادة في من أكون أنا نفسي؟ أصبحت سعادة مرتبطة بعبودية للأشياء؟ و ليست مرتبطة بالحرية و التحرر من الأشياء و إعلاء للقيم و صنع للذات و إثباتها؟ ولعل هذا هو الفرق بين فهم الإسلام لسعادة الإنسان الحقيقية و فهم الإيديولوجيات لسعادة الإنسان المتخيلة و كيفية صناعتها؟

و ليست التقدمية التي تحتل صدارة و دعوة كل إيديولوجية، فكرة مجردة عن ممارسة ومثال مجرد عن واقع فكل تقدمية تقاس بما تقدمه من خير و نفع للإنسان وتوسيع حريته في التفكير و الاختيار، وقطع سلاسل الجبر و العدمية التي صنعها له أخوه الإنسان ووهم التاريخ الذي نصنعه و من ثم يأسرنا و ندعي انه لا حول لنا و لا قوة أمامها !!!! فأحاطت به لتجعله شبه إنسان مقعدا و معتقدا أن هذا الوضع لا انفصام عنه !!!و ما هي في الحقيقة سوى أوهام و أضغاث جهل ونوازع للقعود و التخلف والتواكل.

السبت، 11 سبتمبر 2010

علوم المستقبل.....بداية

علوم المستقبل.... بداية
حافظ الجندوبي

« Voir loin, large, profond, prendre des risques, penser à l’homme » Gaston Berger
(1964)


المستقبل لم يعد غيب بل هو عملية صناعة، لقد تمكن الغرب بعلومه و تقدمه التكنولوجي أن يسيطر على أنواع الجغرافيات المكانية و له فيها كل السبق، إنها سيطرة شبه كاملة على المجال الأرضي الواقعي عن طريق وسائل المواصلات والاتصال و أقماره الصناعية و طائراته التي تملأ الفضاء، وهاهو الآن ومنذ عقود يتنقل لجغرافية الفضاء في رحلات مكوكية متتالية لاكتشاف الفضاء و لما لا تسخيره، وها هو كذلك يسيطر على الجفرافية الافتراضية و الرقمية بل بيده مفاتيح فتحها والوصول إليها.
لم يعد المكان وحده معني بسيطرة الغرب بل صار الزمن الذي كنا نظنه غيبا مطلقا محل تنافس في إطار ما يعرف بعلوم المستقبل أو علم المستقبليات أو علوم الاستشراف الاستراتيجي و ذلك في مختلف مدارسه و منطلقاته المتعددة، و لكن يبقى الهدف الأساسي هو ضمان سير المستقبل لصالح دوله وشعوبه
إن الزمن كما المكان إحداثيات و قوانين يخضع الثاني لقوانين الفيزياء و الحسابات الرياضية ومعادلاته، و كذلك الأول يحتوي على إحداثيات وقوانين تسعى نحو أن تكون قوانين منطقية و عقلية بما توفره علوم التاريخ و الفلسفة و العلوم الإنسانية و الاجتماعية في إطار من الفهم المتعدد الاختصاصات ليقرب إلينا كيف بالإمكان جعل المستقبل بيدنا و ليس بيد المفاجآت و الغيبيات التي طالما اعتقدنا فيها بطريقة خاطئة و قاصرة.
إن علوم المستقبل Futurologieليست فقط مسالة نظرية تحوم في يوتوبيات حالمة أو افتراضات و تخمينات مبنية على معطيات سابقة بل تحولت إلى عملية صنع صور للمستقبل و بناءات مستقبلية مجتمعية و تحويلها إلى واقع،فالمستقبل دخل في إمكانيات الفعل الإنساني و في إمكانية حرية أوسع حتى من الحاضر نفسه الذي شكل و انتهى أمره،خياراتنا نحو المستقبل أصبحت أكثر إمكانا من الواقع الحاضر نظرا لتعقيداته و تداعيات الماضي الثقيلة عليه.
بل إن الفعل الإنساني أصبح يراهن على المستقبل أكثر من الحاضر نفسه الذي يعاني من عملية اكتمال و إشباع و ضعف هوامش الحرية والخيارات فيه، و لا يعني هذا بالطبع إلغاء الحاضر لفائدة المستقبل لأن إمكانيات أي تصور في المستقبل لا يمكن أن تبنى من فراغ أو تتشكل على هواء، بل الحاضر بما هو واقع هو الملهم الأول و المعين الأول على حسم العديد من الخيارات مستقبلا.
« Regarder l’avenir bouleverse le présent » Gaston Berger

وفي إطار هذا التنافس للسيطرة على الزمن بعد السيطرة على المكان تسبح عديد المدارس والمقاربات النظرية و العلمية تحاول و تعمل مراكز الدراسات الإستراتيجية و المستقبلية على تحويلها إلى معطيات مهمة في بناء السياسات و اتخاذ القرارات السياسية المختلفة.
قصة رغبة سيطرة الإنسان على الزمن قديمة و ليست أمرا مستجدا تكمن في يوتوبيات المدينة الفاضلة و الإيديولوجيات المختلفة التي سعت لبناء مجتمعات أفضل ترنو نحو المثالية،كانت رغبة الإنسان في السيطرة على الزمن تخضع لأسباب مختلفة وهي تستمد شرعيتها من نزعات تعويضية على فقدان الأمن و العدل و الحياة المثالية و الخوف من الموت و الهلاك
و تسعى المجتمعات و الدول دائما إلى أن تحافظ على قوتها و تقدمها لذلك تحاول وضع المشاريع المستقبلية التي تضمن لها نصيب من الأمن و القوة و التقدم.
علوم المستقبليات هي علوم غنية و تستمد غناها من حاجتها إلى معظم العلوم الأخرى و فروعها وهي عملية علمية معقدة نوعا ما و تستحق جهود كبيرة كمراكز دراسات و استشارات بتمويلات غير هيّنة و بكفاءات متنوعة و متكاملة، انه علم يحتاج لجهد بشري جماعي في إطار من الديمقراطية التشاركية ومن هنا تستمد خيارات المستقبل مشروعيتها،
ولا يزال الجدل قائما و لا تزال العقول تسيل بالأفكار حول موضوع علم المستقبليات أو علوم الاستشراف التي تعتبر من الناحية العلمية جديدة مقارنة بعلوم أخرى، وان كانت من حيث الأهمية و الحاجة و التعبيرات الفلسفية قديمة قدم الإنسان نفسه، حتى و إن ذهبنا إلى إمكانية طرد أفكار مفرطة في التفاؤل حول إمكانية السيطرة على المستقبل سيطرة على الزمن...فان مثل هذه العلوم لا غنى عنها فهي تمدنا بأدوات خلاقة في التفكير و التخطيط و الاستشراف و الاستباق يحتاجها الفعل الإنساني اليوم في مختلف مستويات القرارات و السياسات، للتنمية المستقبلية، وان محاولة اكتشاف نصيب العرب والمسلمين وحظهم من هذا العلوم أخاف أن أقول إنها قريبة جدا من نصيبهم المحتمل مستقبلا في هذا العالم و اترك لكم الأمر للتخيل.......
فما هي مجالات علم المستقبل؟ و ما هي إمكانياته وحدوده و مرجعياته الفلسفية و النظرية؟
ما هي أدواته؟ وما هي حدود الاختلاف و التكامل بين المدارس الموجودة و خاصة بين المدرسة الأوروبية و المدرسة الأمريكية؟ وهل يمكن للعرب و للمسلمين أن تكون لهم نظرياتهم ومدارسهم المستقبلية على غرار" الحق في الاختلاف الفلسفي" كما يقول طه عبد الرحمان؟
ما هي مجالات استخدامهما؟ وما هي أهم الملاحظات النقدية الموجّهة إليهما؟
و أي مستقبل لعلم المستقبل؟
و أسئلة أخرى....

الأربعاء، 1 سبتمبر 2010

الشباب في سنته الدولية :الإصلاح الشامل هو المطلوب و الإصلاح السياسي هو المفتاح

الشباب في سنته الدولية

الإصلاح الشامل هو المطلوب و الإصلاح السياسي هو المفتاح


حافظ الجندوبي



الشباب هذه الأيام محل اهتمام السياسات الوطنية وهذا أمر يدلّ على أن هناك مشكل حقيقي فطبيعة أنظمتنا العربية تعوّدنا أن الاهتمام بموضوع لا يكون إلا بعد استشعار المخاطر و أحيانا بعد أن تتعقّد الأمور عليها بشكل كان ممكن تفاديه بسياسات استباقية و استشرافية و بسياسات أكثر عمقا و جدوى بعيدة عن الظرفية و السطحية و المعالجات الأمنية، ومن المهم أيضا التركيز على فئات اجتماعية و سكانية بمقاربات التمييز الايجابي ن ومن المهم أيضا التركيز على سياسات قطاعية محدّدة،لكن من المهم النظر جيدا في مقاربة شمولية و شاملة للإصلاح، و في اتجاه عمودي و أفقي يستهدف الإنسان و المواطن التونسي بصفة عامة في تقاطع مع السياسات و البرامج المخططة من قبل الدولة ،و لا يوجد انفصال وتناقض بين الاهتمام بالشباب و في نفس الوقت بالمجتمع و بكامل مؤسساته و فئاته، اهتمام بالمواطن التونسي و الإنسان التونسي بصفة عامة، فالاهتمام بالشباب هو اهتمام بتوفير البيئة التي تحيط به و ينشأ فيها و يستلهم منها قدواته و سلوكاته ، هو اهتمام بمعالجة و متابعة لكل السياسات فقبل أن يكون الشاب صالحا لا بد من طفولة صالحة، إذا لا بد من اهتمام بكل السياسات من تعليم و صحة و رياضة و تشغيل و تشريك وتحفيز للمشاركة و الاهتمام بالشأن العام، الاهتمام بالشباب هو أولا اهتمام بالطفولة بتوفير سياسات تعليم صالحة للمستقبل تمكنه من قدرات ومهارات ومعرفة علمية محيّنة تجعله يعيش زمانه، هو أيضا اهتمام بالأسرة و بمقدرتها الشرائية وتوفير الحماية و الدعم الاجتماعي للطفولة ( منحة الأطفال في تونس تقدر ب7 دنانير شهريا عن كل مولود؟؟؟؟) و لما لا منحة أمومة محترمة و سنأتي على موضوع الطفولة في مناسبة أخرى، لكن كل هذا مهم حتى يصل الطفل إلى مرحلة الشباب وهو في قدرة من العطاء و الحماسة ،لا منهكا صحيا وتعليميا و معرفيا و هزيلا ثقافيا و مصاب بكل أنواع سوء التغذية البدنية و الفكرية و الروحية و الأخلاقية............

المقاربة المطلوبة هي المقاربة الشاملة و التي تستهدف معالجة المشاكل و النواقص و التناقضات في البيئة التي يعيش فيها المواطن التونسي بصفة عامة بمن فيهم الشباب التونسي و الذي نعتقد انه لا يعيش على سطح المرّيخ بل هو يعيش في هذا الواقع التونسي وهذه البيئة التونسية و هذا المناخ السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي الذي يفتقد إلى الحيوية ويعاني من جمود سياسي يمنع المهتمين بالسياسة عن ممارستها فما بالك بالعازفين؟ ، أيضا لن ينشأ الشاب في توازن في ظل مجتمع غير متوازن و أسرة غير متوازنة ماديا ووظيفيا، في ظل مجتمع مدني ضعيف و مخترق و أصبح مدرسة للانتهازية و الوصولية و النفاق و في ظل سلطة ترفع شعارات لا تلتزم بها مما أعطى انطباعا عاما لدى الشباب بعدم الثقة في السلطة و في ما تطلقه من مبادرات و دعوات........يتبع